علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
176
نسمات الأسحار
غلب العقل التحق بالملائكة . رابعهما : الذي لا عقل له ولا شهوة وهو الجمادات . ولما كان في العهد الأقدم خلق الأقسام الثلاثة وبقي القسم الرابع وهو الذي ركب فيه العقل والشهوة اقتضت قدرته خلقه ، فقال للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة قالت الملائكة : إنك إذا جمعت بين الشهوة والغضب الذي هو العقل جاءت المنازعة فيتولد الفساد من الشهوة وسفك الدماء من الغضب فأجابهم العليم بالكليات والجزئيات : إني أعلم ما لا تعلمون ، أما علمتم أنه يحصل في تكوينهم كمال حكمتى وقدرتى وكمال درجاتهم أما كمال القدرة فلئلا يبقى هذا القسم محروما عن أثر الوجود ، وأما كمال الرحمة فلئلا يبقى محروما عن أثر الجود ، فإني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم ، وأما كمال الحكمة فلأنه وإن كان الفساد والقتل يحصلان كثيرا إلا أنه الأكثر عدمهما ، وحصول العبودية للّه ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير وهو غير لائق بحكمتي ، وأما كمال حالهم ودرجاتهم فهو أن العمل بمقتضى العقل عند عدم الشهوة ليس في غاية الكمال ، وإنما هو العمل بمقتضى العقل مع قيام منازع الشهوة كما في حق البشر فهذا وجه آخر في قوله جل جلاله : إني أعلم ما لا تعلمون . ومنها : أنه بتخليق الملائكة ظهرت القدرة والحكمة لأن كمال قوتهم تدل على كمال قدرة خالقهم وكمال عصمتهم يدل على كمال حكمة خالقهم فأراد جل جلاله إظهار كمال الجود وكمال الرحمة بخلق البشر أما كمال الجود فلأنه مناسبة بين التراب وبين جلال رب الأرباب فبجوده وكرمه جعل في هذا النوع البشرى مركز المحبة ومعدن المعرفة بدليل يحبهم ويحبونه ، فأي جود أوسع من هذا إذ به كمال الرحمة ، فلأنه مع كثرة معاصي هذا النوع البشرى أظهر منه أنواعا من العجائب فأودع في قلبه نور عرفان جلاله وأجرى على لسانه ذكر توحيده وجعل عينه محل الأبصار دلائله وأذنه محلا لسماع كلامه فالملائكة بهم ظهرت القدرة والحكمة والبشر بهم ظهر الجود والرحمة ، فجل جلاله أحاط علما بما كان وما يكون ولهذا قال للملائكة : إني أعلم ما لا تعلمون . روى أن الموجودات بحسب القسمة موجود لا أول له ولا آخر وهو الحق جل